ابن حزم
83
رسائل ابن حزم الأندلسي
وباللغة وبالإعراب وبالفصاحة وحكم المنظوم والمنثور . والرؤيا حق وهي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ، فلا بد من معرفة عباراتها ، ولا تكون عباراتها إلا بالتمكن في العلوم المذكورة . وأما القضاء بالنجوم فلا يعرف بطلانه إلا من أشرف عليه ، ولا يعرف الخطأ من الصواب إلا بمعرفتهما معا ، فهذا وجه تعلق العلوم بعضها ببعض ، وافتقار بعضها إلى بعض . وإن لم تمكن « 1 » المرء الإحاطة بجميعها فليضرب في جميعها بسهم ما وإن قلّ ، - كما قدّمنا - وليكن الناس فيها في تعاونهم على إقامة الواجب من ذلك عليهم كالمجتمعين لإقامة منزل ، فإنه لا بدّ من بنّاء وأجراء ينقلون الحجر وينقلون الطين ، ومن صنّاع القرمد وقطّاعي الخشب وصناعي الأبواب والمسامير حتى يتم البناء ، وكذلك سائر ما بالناس الحاجة إليه من الحرث فإنه لا يتم إلا بالتعاون على [ القيام ] بآلاته والعمل بها . وكذلك التعاون على ما به تكون النجاة والترقي إلى عالم الخلود ، ورضى الخالق أوجب وأكرم ، وبالله تعالى نتأيد . فصل ومن السمج القبيح بقاء الإنسان فارغا في مدة إقامته في هذه الدار ، مفنيا تلك المدة فيما غيره أولى به وأحسن منه ، في حماقة ؟ ؟ وبطالة أو معصية وظلم . وقد سمعت شيخنا ابن الحسن « 2 » يقول لي ولغيري « إن من العجب من يبقى في هذا العالم [ دون ] معاونة لنوعه على مصلحة . أما يرى الحراث يحرث له والطحان يطحن له والنساج ينسج له والخياط يخيط له والجزار يجزر له والبنّاء يبني له وسائر الناس كل متولّ شغلا ، له فيه مصلحة وبه إليه ضرورة ؟ أفما يستحي أن يكون عيالا على كل العالم
--> ( 1 ) ص : يكن . ( 2 ) ص : أبو الحسن ، وشيخه هذا هو أبو عبد اللّه محمد بن الحسن المعروف بابن الكتاني ، وقد ترجمت له في مقدمة كتابه « التشبيهات » .